ابن فضلان
54
رحلة ابن فضلان
--> الرستاق دون المدينة شاهدت ذلك ، ثم وصف شدّة بردهم الذي أنا شاهدته من بردها أن طرقها تجمد في الوحول ثم يمشي عليها فيطير الغبار منها ، فإن تغيمت الدنيا ودفئت قليلا عادت وحولا تغوص فيها الدوابّ إلى ركبها ، وقد كنت اجتهدت أن أكتب شيئا بها فما كان يمكنني لجمود الدواة حتى أقربها من النار وأذيبها ، وكنت إذا وضعت الشّربة على شفتي التصقت بها لجمودها على شفتي ولم يقاوم حرارة النفس الجماد . . . وقرأت في رسالة أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّاد مولى محمد بن سليمان رسول المقتدر إلى ملك الصقالبة حكى فيها ما عاينه منذ انفصل عن بغداد إلى أن عاد إليها ، فحكيت ما ذكره على وجهه استعجابا به . قال : ورأيت الروسيّة وقد وافوا بتجاراتهم فنزلوا على نهر إتل ، فلم أر أتم أبدانا منهم كأنهم النخل شقر حمر لا يلبسون القراطف ولا الخفاتين ولكن يلبس الرجل منهم كساء يشتمل به على أحد شفيه ويخرج إحدى يديه منه ، ومع كلّ واحد منهم سيف وسكين وفاس لا يفارقه ، وسيوفهم صفائح مشطبة أفرنجية ، ومن حدّ ظفر الواحد منهم إلى عنقه مخضر شجر وصور وغير ذلك ، وكلّ امرأة منهم على ثديها حقة مشدودة : إما من حديد وإما من نحاس وإما من فضة وإما من ذهب ، على قدر مال زوجها ومقداره في كل حقة حلقة فيها سكين مشدودة على الثديّ أيضا ، وفي أعناقهن أطواق ذهب وفضّة لأنّ الرجل إذا ملك عشرة آلاف درهم صاغ لامرأته طوقا . وإن ملك عشرين ألفا صاغ لها طوقين ، وكلّما زاد عشرة آلاف درهم يزيد لها طوقا آخر ، فربما كان في عنق الواحدة منهن أطواق كثيرة . وأجلّ الحليّ عندهم الخرز الأخضر من الخزف الذي يكون على السفن ، يبالغون فيه ويشترون الخرزة منه بدرهم وينظمونه عقدا لنسائهم ، وهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا يغتسلون من جنابة ، كأنهم الحمير الضالّة يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بإتل ، وهو نهر كبير ، ويبنون على شاطئه بيوتا كبارا من الخشب ، ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون والأقل والأكثر ، ولكلّ واحد منهم سرير يجلس عليه ومعه جواريه الروقة للتجار فينكح الواحد جاريته ورفيقه ينظر إليه ، وربما اجتمعت الجماعة منهم على هذه الحالة بعضهم بحذاء بعض ، وربما يدخل التاجر عليهم ليشتري من بعضهم جارية فيصادفه ينكحها فلا يزول عنها حتى يقضي إربه ، ولا بدلهم في كلّ يوم بالغداة أن تأتي الجارية ومعها قصعة كبيرة فيها ماء فتقدّمها إلى مولاها فيغسل فيها وجهه ويديه وشعر رأسه فيغسله ويسرحه بالمشط في القصعة ، ثم يمتخط ويبصق فيها ولا يدع شيئا من القذر إلا فعله في ذلك الماء ، فإذا فرغ ممّا يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي يليه